ثقافة

الشعر الشعبي بين الموروث و الحداثة

 ما يزال في أذهان الكثير من العامة و من شعراء الشعر الشعبي  على أن الشعر الشعبي هو موروث يجب أن يحافظ على قوالبه القديمة شكلا و مضمونا ، بل حتى المؤسسة الثقافية الرسمية صنفته في هذه الخانة ليبقى “فانتازيا وطنية”،  يحتفى بها هنا و هناك  مرتبطا بالهوية و الإنتماء ، و الوطنية ، وكلام من هذا القبيل   وهذا ما وقفت عليه شخصا ، في ملتقى الشعر الشعبي في طبعته الأخيرة بتيسمسيلت ، مع استثناءات قليـــلة ، لا يمكن لها أن توجه حتى الآن على الأقل  الشعر الشعبي إلى  وجهة العصر ، ففي رأيي حظر التنظيم و الفـــرجة  و غاب الشعر ، و هنا مربط الفرس .

في رأيي إن الشعر بما فيه الشعر الشعبي طبعا ، هو خلق و إبداع و تجاوز للمألوف ، و كسر للعادي المتعارف عليه ، و إلا اكتفينا  بما كتب الأولون ، لا شك أن هناك عوامل عدة رسّخت لهذا المعتقد ، و أبقت القصيدة الشعبية في جلبابها القديم مع فسيفساء قليلة لم تصنع الفارق في الإبداع ، و أذكر من بين هذه العوامــــل  أن الشعر الشعبي ظل مرتبطا بذوق العامة ، فلغته لغتها ، ورؤاه رؤاها ، و إقليميته إقليميتها ، حتى أنك لا تـــفهم ماذا يكتب شاعر شعبي في أدرار ، و آخر في عنابة ، و ثالث في تيسمسيلت ، إذا نحن أمام نصوص عدة ، كــــل نص منغلق على محيطه ، و كل نص في رأيي يرى أن التجاوز هو هدم للذات ، و  خوف من المستقبل الغامض الذي يعني  غير المألوف ، و غير الطبيعي لدى الجمهور ، وكأني بالشاعر لا يبحث إلا عن حضوره  و وجوده ، و لو كان ذلك على حساب الإبداع ، و أعطي في هذا المقام أمثلة على ذلك ، كنت قد قرأت نصوص جديدة للشاعرين ” قاسم شيخاوي ” ، و عبد القادر هني ” ، فيها تجاوز جميل للشكل ، و للغة الشعبية المتـداولة ، إذ تنهل كثيرا من اللغة العربية الفصحى ، الأمر الذي  ينزع عنها عباءة الإقليمية و الجهة ، و يصبح النص للجميع   و حتى للرؤيا  التي ظل يتناسخ فيها شعراء الملحون ،  تلمس فيه روح اللحظة و العصر ، نصوص في رأيي تخلخل الموروث ، وتشكك في كثير من المسلمات ، تثقف النص ، و تثير فيه على غرار ما عرفته القصيدة الفصيحة ، اللذة و الدهشة و السؤال ، و لعمري ذاك هو ” الشعر ” ، لكن الغريب أنني التمست خوفا عند الشاعرين ، و ربما يكون عند شعراء آخرين ، خوف من الصدمة ، من جمهور ألف العادي و الجاهز و المستهلك ، و من سلطة  وضعت الشعر الشعبي في خانة عناصر الهوية ، التي تتكئ عليها  ، و التي تراها صوتا لا يمكن أن يكون خارج سلطتها ، طبعا هذا مقابل احتفائية ،  و ريع  يقدم لذلك  ، لا يمكن لشاعر شعبي له اسم أن يتنازل عن ذلك بسهولة .

 إذا نحن أمام حالتين ، حالة تُبقي القصيدة الشعبية في عباءتها  القديمة ، و ما عرفته في رأي البعض من تجـــديد  لا يعدو في نظري مجرد أوراق توت ، و  حالة ثانية مترددة ، لا تجد من جدار تسند إليه ظهرها في حالة حدوث ردة الفعل ، في رأيي هذه الحالة الأخيرة تحتاج إلى نخبة ، و إلى صورة إعلامية ، و إلى نقاد ، و إلى قارئ جيد أيضا ، و إلى شاعر يؤمن بالتجاوز ، لا يريده فقط ، شاعر لم تعد القصيدة الشعبية الكلاسيكية قادرة على أن تحتويه ، فعليه أن يكون  أو لا يكون ، فنحن في عصر منفجر ، و جيل لا يجد صورته في المكوث في الماضي ، الذي أرى شخصيا أننا لم نغادره كثيرا . 

امحمد زابور

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لاحظ أنك انزعجت كثيرا من رايي ياصديقي ، رغم أنني استعملت قلما في الحديث معك ولم استعمل بندقية صيد ،، لقد انزعجت لدرجة أنك فقدت توازنك عندما رحت تتبع ردودي على الموضيع الأخرى ، فاقترفت بذلك الكثير من المعاصي اللغوية والأخطاء الإملائية ـ هنالك فعل استساغ ولايوجد في لغتنا الجميلة فعل استصاغ ، ناهيك عن مشاكلك مع همزتي الوصل والفصل ، ومشكلتك مع الفعال المتعدية والأفعال اللازمة ، طبعا هذه الأمور غضضت عنها البصر في متابعتي السابقة ولكن لأنك انزعجت كثيرا كان لزاما أن اذكرك بهذه الأخطاء ،، أمر آخر تزعم وجود الكثير من مصطلحات الحداثة ومفاهيمها ، وتهدد بإحصائها وذكرها ولكنك لاتفعل ، ولذلك ها أنا أطلب منك أن تكشف لي عنها لعلي ومعاشر القراء الكرام نستفيد ، رغم انك تتناقض حين تزعم وجود المصطلحات والمفاهيم ثم لاتلبث تقول أن ما تقدمه ليس دراسة بقدر ماهي موضوع ، وهذا النوع من "الهدرة" هو الذي استهجنته ، فمن قال لك أن المواضيع تخلو منهاالمصطلحات والمفاهيم ، ولاتتوفر إلا في الدراسات النقدية ، أي اختراع هذا ؟؟ هل لك ياجهبذ المواضيع ان توضح لنا الفرق بين الموضوع والدراسة ، مشكلتك يا صديقي أنك أضحل بكثير مما تصورتك ولو لم تكن كذلك لما ظننت بالجامعة سوءا حين قلت ( ربما ما قرأت من مفاهيم بسيطة للنقد و من تعاريف في الجامعة خلته هو النقد ) وإذا لم تكن الجامعة هي التي تقدم مفاهيم النقد الأكاديمية ، فهل ترها محلات الهمبورغر هي التي تعلمها ، يا أخي اتقي الله ، الجامعة هي مخبر المعرفة وليس سواها ، شيئ آخر يؤكد أنني أخطأت حين خاطبتك لأنني خلتك تفهم ما أقول ، وإذ بي أجد الذي يفصل بيننا سنوات ضوئية ……. يا يرحمك الله هل لك أن تدلنا على أية كتابة تفتقد للمنهج ؟؟ ثم تأتي وتستشيط لذكرنا المناهج السياقية والنسقية وكأنك تعرفها ، مع انك حتى في ردك أثبت أنك تجهلها حين تساءلت (مادخل المناهج النسقية والنقدية ) أنا يا سيدي لم أتحدث عن النقدية والنسقية ، إنما تحدثت عن السياقية والنسقية ، من منطلق أنك انت ذاتك استعملت منهجا سياقيا من حيث لا تدري طبعا وهو المنهج الإنطباعي أو التأثري والذي لا اظن أنك تعرف عنه الكثير رغم أنك تستعمله بطريقة غير مقصودة ، هنالك امر استغربته منك = أين تجدني ألقي بمصطلحات نقدية هي أكبر مني ، أنا اتحداك لو قدمت لي مصطلحا واحدا ، وهنا مربط الفرس كما يقولون ، الظاهر أنك تجهل معنى المصطلح وأنا ارهق نفسي معك لأنني ظننتك كرمة وفيها الكرموس كما يقولون ، ولكنني وجدتك حشفا وسوء كيل كما يقولون ,

  2. الأخ " متابع" ، النص فيه كثير من مصطلحات و مفاهيم الحداثة ، إن كانت تعنيك الحداثة فعلا ، سأحصيها لك إن أردت ذلك ، بشرط أن لا تلقي الكلام هكذا على عواهنه ، و هذا ما اكتشفته في ردودك عل كثير من المواضيع في " البوابة " ، و فاقد الشيئ لا يعطيه ، شخصيا طرحت إشكالا ربما يشغل البال إلى حد ما ، ربما سألت اكثر مما أجبت ، و السؤال هو مفتاح البحث يا عزيزي ، أما فيما يخص تجربة شيخاوي و هني ، هي تجربة جديدة في رأيي يمكن أن تحدث انقلابا في نمطية الشعر الشعبي ، و قد يرى البعض العكس ، و لهم أراؤهم ، يبقى كل شيئ نسبي ، و لا يقينية في ذلك ، ما لم أستصغه منك ، أنك تلقي هكذا بمصطلحات نقدية تبدو أكبر منك ، فلا تدري الحيز الذي توظفها فيه ، تأكد أن لا أحد يطلب منك ذلك ، كي تبدو في رأيه متمكنا و متيقنا مما تقول ، فما دخل المناهج النسقية و النقدية هنا ، فأنا لم أقدم دراسة نقدية شاملة لمؤلف أو لنص ، و الأمر في ذلك يا صديقي يحتاج إلى تمكن كبير من أدوات النقد الحديثة من جهة ، و إلى تجربة عملية من جهة أخرى ، فلا تحملني و تحمل نفسك ما لا طاقة لنا به ، أما التساؤل ، و طرح هكذا مواضيع للمتابعة ، فالأمر مشروع و لا يحتاج إلى رخصة منك أو من أي ناقد كبير ، فقط ربما ما قرأت من مفاهيم بسيطة للنقد و من تعاريف في الجامعة خلته هو النقد ، الأمر يا حبيبي يحتاج إلى دراسات أعلى ، و إلى بحث و جهد أكثر ، لذلك حاول أن تكون أنت … سيصل كلامك إلى القلب لا محالة .

  3. لا أدري لماذا كتبت هذا الموضوع ياصديقي زابور / كم هائل من الكلمات لا يوجد بينها مصطلح نقدي واحد .. ما هذا ؟؟ العبور إلى الحداثة يعني التمكن من المصطلح والتمكن من المنهج ، وما كتبته يعوزه هذا وذاك . الحداثة ليست شرطا من شروط الجودة ، وقد تكون القصيدة الشعبية التقليدية أجمل بكثير من القصيدة الشعبية الحداثية ، تماما كما هو الحال مع الفصيح الذي لاتستوى فيه روائع المتنبي رغم تقليديتها ، مع عديد قصائد المحدثين ، دعنا نقول أن القصيدة الشعبية تحتاج إلى التجديد ـ ـ ماقام به قاسم شيخاوي وهني عبد القادر محاولة تجديد ،ومحاولة التجديد هذه لايمكن أن نحكم عليها إن كانت خطوة نحو الحداثة ، أو خطوة معاكسة لها إلا من خلال التجربة ككل ، التجربة التي تحتاج وقتا للحكم عليها ، فقط أعتقد أن هذا الحكم وحتى يكون علميا ومؤسسا ، فإنه سيحتاج منا للأدوات المنهجية اللازمة ، إن عدم الإحاطة بمناهج النقد الأدبي سواء كانت سياقية أو نسقية ، لن يمكننا في النهاية إلا من إجترار الخيبات ,

  4. لا يزال مفهوم الحداثة يكتنفه الكثير من الغموض و هو غير دقيق و غير محدد . لكن من المتفق عليه و كما قال الدكتور مشري بن خليفة و هو أستاذ بجامعة ورقلة في احدى الحصص من ليلة الشعراء على التلفيزيون الجزائري تعليقا على قصيدة شعبية للشاعر توفيق ومان بأن الحداثة ليست من حيث الشكل فقط و انما من حيث التجربة و الموقف و الرؤية و الرمز ثم أضاف قائلا بأن القصيدة الشعبية مرتبطة أساسا بالتلقي فلا يمكن أن نذهب بعيدا في تحديثها . أما عن رأيي فأنا مقتنع بكلام الدكتور في مفهوم الحداثة لكن أن لا نذهب بعيدا في تحديث الشعر الشعبي فهذا يرجع الى مدى قدرة الشعراء على توحيد اللغة أو ما يسمى بلغة ثالثة و هي لغة شعبية قريبة من الفصحى . و ما اطلعت عليه من قصائد حداثية خصوصا للشاعرين الكبيرين هني عبد القادر و قاسم شيخاوي فهي قصائد جميلة و تغلب عليها اللغة الفصيحة و الأجمل فيها الايقاع خاصة قصيدة ’ بقيتي و حدك ’ للشاعر قاسم شيخاوي و كذلك قصيدة’ لا تستشهد’ لهني عبد القادر , و هذا ان دل على شيء فانه يدل على أن تيسمسيلت استحقت أن تكون قبلة للشعراء بمهرجانها الوطني للشعر الشعبي و الأغنية البدوية . شكرا الأستاذ زابور تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق