المنبر المفتوح

الصحافة العربية بين الصراحة والفصاحة

العالم الصحفي هو تطور للحساسية الإعلامية بالفكرة و التجربة ، تتشكل أسرته من مخبرين، أصحاب رأي، و فرقة الفنيين التي تتولى مهمة جمع الأخبار و تقديمها بمؤثرات جذابة تجعلها قطعة موسيقية يعزفها مايسترو " الخبر" على أنغام ماذا يجري ؟ بدل إمبراطوريات الآراء المتناثرة على الأعمدة الصحفية و المطبوعات الالكترونية ، أغلبها يعاني ويلات " يوم كانت كلماتي غضبا      كنت صديقا للسلاسل "، الخبر هو معرفة ما جرى و ما يجري بمعنى التناول المباشر لموضوع التجربة و الرأي هو التوجيه نحو مشهد التجربة  بدل التمثيل المسرحي ، و تدفق المعلومات بالأسلوب الإنشائي الصرف يظل دائما في غيبة الوقائع المخبأة في جيوب الرقابة ، لا حرية الصحافة التي تنتهج التركيب البانورامي المتناغم ، لأن حجم ما هو متداول سرا من طبيعة الهمس أوسع بكثير من حجم ما هو مكشوف ، و كلما اتفقت أولويات السلطة الوطنية مع الموضوعات المطروحة تتوحد عين الصحفي بعين السلطوي صانع القرار بنقيض " حين صارت كلماتي عسلا      غطى الذباب شفتي " م.درويش

الصحافة العربية ، ليس بعد العين البصرية، أين الاستفهامية ؟ سلكها الكهربائي لم يستقر في القابس الحراري ، معظمها مازال يخاطب المستقبل بمفردات الماضي ،تتكلم عن ألفاظ ثقيلة تعوض بها عجزها العملي على مرجعية تغييب الصحفي غالبا عن مصدر صناعة القرار ، و الإعلامي نبضه عش للتقارير الملونة بحكم التلف السائد على مكوناته الإعلامية  و مضايقات الخطوط الحمراء فكلما اقترب من السلطة اقترب من صناعة القرار على نهج لا تقترب كثيرا فتحرق إعلاميا ،و لا تبتعد كثيرا فتجمد مهنيا ،و أي قرار لا يتقمص الهموم الوطنية و القومية  يفقد توهجه ،و يرسب أوتوماتيكيا،إذا لم يفهمه و يستوعبه المجتمع.

الاستمرار للكلمة المعبرة عن حقيقة واقع هو جزء من تصور الناس لأحداث يومياتهم المعاشة، خلاف التعبير الإنشائي المستمر على أنغام لحظات الإنشاء المتشحة بالاستنتاجات الشخصية ، و التصورات المضببة . الرأي يتصل بالملكية التي تتجاوز نمطية الشكل و تلج عالم الحداثة بالمغامرة و الاحترافية  ، و ملكية الدولة للألفاظ القاموسية بحجة توحيد لغة إلقاء القصيدة  أمر غير مرغوب ، و الرأي في الجرائد إضافة وجهة نظر مع تجديد مستوى الشكل ،و الخبر جوهر تكثيف محصلة الموضوع

 إن كتابة الرأي في الجريدة بشخصية معذبة أرهقها الواقع بالتخريب التصاعدي فأوت إلى عزلتها ، ساعد على الحكم على ما يجري لكن ما أٌشكل به رأيا فيما يجري هو حقيقة أن أعرف واقع الاتزان و التوتر و التراخي في تعاطي الحدث ،و ليس ما أتصوره خارج الصورة التي لا تطيق الإضافات اللفظية المثقلة بالتعبير الانفعالي . إن النظم حتى الجائر منها لا تمانع في إبداء الرأي لكنها تتحكم في تدفق الأخبار ، و الرقابة الحقيقية في العالم كله هي إخفاء الأخبار لا حذفها من عشها ، لهذا فالحرية الإعلامية هي حرية المعرفة و ليست حرية التوجيه.

الصحافة العربية كلها أراء ،حظها في القلب يقاضي حظها التعيس في القصر، أطفئوا ضجيج المزح ، غير مسموح في العالم العربي بتداول المعلومات و معرفة ما يجري ، و لكن المسموح هو إبداء الرأي في كل شيء ، باعتماد الاستنساخ الكربوني لمعظم الأحداث ، و السبب ببساطة أن الآراء لا تخيف لأنها مرتبطة بمن يبديها لا من يتجول بين سطورها، فأكبر أسلحة السلطة هو إخفاء المعلومات على الناس ، و حركة المعلومات مستعلمة أن الجديد فيها يرتبط بنسق ما قبلها ، فإن غاب النسق صارت جثث بلا هوية

الصحافة العربية مليئة بالآراء ، و لأن أحدا لا يعرف ما يجري ، انعزلت الجماهير إلى السلبية ، فاتهمت المواطنة السيادة بالانحراف و اتهمت السيادة المواطنة بالتشرذم ، بما أن التوجه إلى المجال الإنشائي أو التعبيري دون التعرض لجوهر ما يحدث أوقف تواصل المعلومات و هي أزمة العالم العربي و عجزه عن الفعل. سيظل ما هو مقروء يرسم بالصورة أكثر ما تعطيه الصورة في التحليل على حد تعبير أحد العلب السوداء لدولة الإعلام العربي " أصبحت الصورة أكثر وضوحا ، أصبحت الصحافة أكثر استحقاقا للبراءة ، و أصبحت قضية الحرية الصحفية معلقة برقاب أخرى "

شاكي محمد/ العيون /تيسمسيلت 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا لكاتب الموضوع على الطرح القيم
    اصبحت الصحافة الان لسان حال الشخصيات الكبرى فقط فهي تخدم اسماء مالكيها فقط و كل ما يتعارض مع توجه مالكها فهو ممنوع و ما اكثر الممنوعات و الامثلة كثيرة
    الصحافة حاليا هي حصانة خاصة و كلب حارس وفي لصاحبه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق