المنبر المفتوح

مفهوم الحزب و الحزب السياسي – الجزء الثاني –

خلصنا في الجزء الأول أن الحزب السياسي هو ابتداع أوربي ، و هو رأي أغلب المفكرين السياسيين ، و على رأسهم العالم الفرنسي موريس دوفرجيه ، إذ يؤكد فريق البحث السياسي أن الحزب السياسي بمفهومه المعاصر لا يعود لأكثر من حوالي قرن و نصف من الزمن ، أي حتى عام 1850 إذ لم يكن هناك وجود لأحزاب سياسية باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم تسربت الظاهرة عام 1950، و انتشرت في العالم ، فما هي دوافع نشوء ظاهرة الحزبية السياسية .

عرف موريس دوفرجيه الحزب السياسي بأنه " مجموعة طوائف أو إجتماع مجموعات صغيرة تنتشر في البلاد ، ترتبط فيما بينها بنُظم تنسق عملها للوصول إلى الحكم عن طريق الانتخاب"، كما أشار إلى أن نمو الأحزاب السياسية ارتبط تاريخيا بنمو الديمقراطية و اتساع مفهوم الاقتراع العام الشعبي ليشمل كافة الطبقات و إلغاء القيود المالية التي ارتبطت به في السابق و هناك أصلين لنشوء الأحزاب السياسية :

الأصل الانتخابي البرلماني (أحزاب داخلية النشأة ) ، نشأت بفعل احتكاك الكتل البرلمانية و اللجان الانتخابية ، مما أدى إلى ظهور الأحزاب السياسية.

الأصل غير الانتخابي أو البرلماني (أحزاب خارجية النشأة ) ، هذا النوع ارتبط تأسيسها بالجمعيات و النقابات و الاتحادات المهنية.

الطبيعة العضوية للأحزاب السياسية تتفرع إلى نوعين:

أحزاب الكوادر أو الصفوة : تعتمد أحزاب النخبة على الثروة و المكانة الاجتماعية ، و تضم في الغالب أبناء الطبقة البرجوازية ، و لا تبدي اهتماما بالجماهير ، و ترى هذه النخب أنها تملك من الخبرة و القدرة على إدارة الحملات الانتخابية و كسب الأصوات و إيصال المرشحين إلى الحكم.

 أحزاب الجماهير :تقوم باستقطاب الجماهير لتحقيق غايات سياسية و اجتماعية و مالية ، بهدف تثقيف الجماهير و توعيتها سياسيا لإنشاء وعائها النضالي، و إعداد نخب إدارة المناصب السياسية و الادارية في الحزب و الدولة ، إضافة إلى مصادر التمويل.

شاع في أدبيات السياسة فيما يخص أنماط النظم الحزبية ، التمييز بين نظام الحزب الواحد و نظام الحزبين و نظام تعدد الأحزاب، و لما كان التصنيف يَعْتدُ بالعدد دون التطرق إلى الاختلافات الحاصلة على نطاق كل نظام حزبي من حيث النشأة و القاعدة الاجتماعية و الفكرية ، و مدى تناوب أكثر من حزب على السلطة ، طرح لفيف من علماء السياسة معيار التنافس الحزبي للفصل بين نظم حزبية تنافسية و نظيرتها غير تنافسية ، فالوجه الأول يميزها تنافس أكثر من حزب على السلطة و يدخل المنافسة نظام الحزبين و نظام تعدد الأحزاب ،و الوجه الثاني حزب سياسي معين يحتكر السلطة و يقع تحت مظلته نظام الحزب الواحد في الدول الشيوعية ، و نظام الحزب الواحد في بلدان العالم الثالث ، و نظام الحزب المسيطر بمعنى تعدد الأحزاب و احتكار أحدها  للسلطة لفترة طويلة من الزمن ، و نظام الحزب القائد بمعنى وجود تحالف حزبي يقوده حزب معين.أما مكونات الحزب السياسي فبين موريس دوفرجيه أن كل حزب ينفرد بتركيبته الخاصة ، إلا أنه توجد عناصر تمثل أهم مكونات الأحزاب السياسية و هي : اللجنة ،الشُعبة ، الخلية و يمكن  إضافة ما يلي

– اسم و شعار الحزب السياسي.

– العنوان الاجتماعي و المقرات الفرعية.

– أهداف الحزب السياسي.

– شروط الانتساب للحزب السياسي.

– مالية عامة و كيفيات صرفها.

 وظائف الأحزاب السياسية : الأحزاب في الأنظمة السياسية مرتبطة بمفهوم الديمقراطية و المشاركة السياسية ، لذلك اعتبرها البعض عماد الديمقراطية و العداء للأحزاب يُخفي العداء للديمقراطية نفسها ، حيث أن هذه الأحزاب أصبحت لها مهام جدية داخل المجتمعات ،خاصة أنظمتها السياسية ، لذلك تفرع فكر البعض إلى التمييز بين وظائف الأحزاب وفقا لطبيعة النظام السياسي القائم – ديمقراطي أو شمولي – ، و هناك فوارق وظيفية و تقسيمات عملية تشكل اطار التفريق بين وظائف الأحزاب الحاكمة ووظائف الأحزاب خارج السلطة أو  المعارضة  ، مفكر سياسي طرح أربع مهام رئيسية للأحزاب السياسية بغض النظر عن كونها ديمقراطية أو شمولية ، تنظم الإرادة السياسية للشعب و التسويق لمبادئ الحزب السياسي ، بداية من ادماج المواطن في الحزب السياسي و تعليمه الالتزام السياسي ، ثم ممارسة الحزب السياسي مهمة الوسيط بين الرأي العام و الحكومة ، ثم اختيار القادة لانتخابهم ، و مفكر سياسي أخر يرى أن الحزب السياسي في النظام الديمقراطي له ثلاث وظائف تتمثل في مراقبة السلطة التنفيذية ، ثم تمثيل المصالح و أخيرا استقطاب المرشحين و الأعضاء ، و له وظيفتان في النظام الشمولي هي الحفاظ على صلابته و تضامن مجموعاته ،ثم دور الإشراف و الإدارة ،بيد أننا سنركز على أهم الوظائف التي تضطلع بها الأحزاب السياسية.

تجميع المصالح : يعني تحويل مطالب الناس إلى بدائل لسياسة عامة قائمة من قبل ، و يمارس الحزب السياسي هذه المهمة من خلال مؤتمراته بمجرد تلقيه لمطالب التجمعات النقابية و العمالية و الهيئات الأخرى ليقوم بتسويتها و اقتراح سياسة بديلة.

التجنيد السياسي : يعني عملية اختيار أفراد لشغل أدوار من نسق اجتماعي ، من خلال التعيين أو عبر الانتخابات ، فالحزب السياسي الذي يصل إلى السلطة يقوم بتشكيل الحكومة و تعيين إطاراته في المناصب و وظائف الشؤون العامة.

التنشئة السياسية : تعني تعلم القيم و الاتجاهات السياسية و الأنماط الاجتماعية ذات المغزى السياسي ، و تقتصر هذه المهمة على مجرد نقل الثقافة السياسية من جيل إلى جيل ، حيث تعتبر الأحزاب السياسية من المؤسسات المكونة لرؤية المواطن للمجتمع و السياسة عبر نشاطاتها التثقيفية.

تعمل الأحزاب السياسية على إثراء الأفكار: بمعنى أنها هي التي تختار و تحدد القضايا المجتمعية ،مثل تعداد الحاجيات ، ثم ترتيب الأولويات ، و تعتني أيضا بالمصالح المشتركة و تجميع المطالب في محاولتها للتوفيق بين أكبر عدد من المواطنين.

عطفا على سبق تلعب الأحزاب السياسية في إطارها التنظيمي في تقليص مساحة الفردية السلبية ، و تَحُدُ من حالات الفوضى و الفراغ السياسي ، على صيغة إذا كانت الحرية مسؤولية فالمسؤولية هي بدورها التزام و انضواء ، كما تُعتبر أيضا عامل نشاط في الحياة السياسية و البرلمانية ، أي تقوية الروابط العاملة بين الهيئة الناخبة و الهيئة الحاكمة، تقوم أيضا بمراقبة تصرفات الحكومة حتى لا تنحرف عن صلاحياتها الدستورية ، و مشاركتها في العملية السياسية يضفي الشرعية للنظام السياسي القائم ، في حين مقاطعة الانتخابات فيها ريب في شرعية النظام داخليا و خارجيا .

إن الأحزاب السياسية هي بمثابة مؤسسات تعليمية " مدارس الشعوب " كما وصفها البعض يمكن أن تكون أداة لتحقيق التكامل القومي ،فهي  تسعى إلى إنشاء الوعي السياسي و تكوين رأي عام فاعل و فعال ، يجعل المجالس البرلمانية بمعزل عن الانفجاريات العاطفية الشعبية التي يخشاها النواب غير الملتزمين حزبيا ، وسنتناول آجلا إن شاء الله الحياة الحزبية السياسية تمهيدا لموضوع الأحزاب السياسية في الجزائر وفق التشريع الحديث لاسيما القانون العضوي رقم 12- 04 المؤرخ في 12-01- 2012 المتعلق بالأحزاب السياسية.

شاكي محمد – العيون – تيسمسيلت

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. يا أخي لو سمحت؟؟؟؟ ممكن اعطائنا مفهوم قارورة غاز البوتان ، من الناحية العلمية و من الناحية القانونية؟مدى تأثيرها على نفسية المواطن؟ و كيفية علاج هاته الأزمة النفسية؟ سلبياتها؟ انعكاساتها على الصعيد الوطني و الدولي؟ الحلول البديلة لمعالجة هاته الاشكالية؟ أسئلة كثيرة يطرحها المواطن…. و حديث الساعة في الوقت الراهن .
    معذرة مرة أخرى . و لو استمعنا لمقالك يبقى معالجة الاحتباس الحراري فقط. و نغلق البوابة. و شكراااااااا

  2. مع تزايد الوعي بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، لم يعد هناك من يستطيع التشكيك المبدئي في الدور الأساسي للأحزاب في الحياة السياسية، وأصبح واضحا للجميع بأنه لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بدون وجود أحزاب سياسية قوية وذات مصداقية، وأضحى الكل يتفق، ولو نظريا على الأقل، على أنه لا يمكن تحقيق تطور سياسي، ونماء اقتصادي، وتقدم اجتماعي دون مشاركة واسعة للمواطنين في إطار ديمقراطية سليمة، تقوم على الشرعية التمثيلية، التي ترتكز على الإرادة الشعبية، وتتبلور من خلالها سلطة المؤسسات، ودولة الحق والقانون.
    فالحزب السياسي جماعة منظمة من المواطنين متفقين على مبادئ سياسية معينة يسعون
    للوصول إلى الحكم من أجل تطبيقها.
    تعمل الأحزاب على تأطير المواطنين ليشاركوا في تسيير شؤون البلاد لهذا تعتبر مظهرا من مظاهر الديمقراطية.

    كل ما سبق و ما جاء في المقال شيئ جميل بل رائع لكن يبقى نظري و واقع أحزابنا يثبت العكس …………… للحديث بقية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق